ابن الجوزي

114

بستان الواعظين ورياض السامعين

بادية وعيناه زرق وحدقتاه قد وقعتا على وجهه من شدة ما هو فيه من العذاب ، وكل ضرس من أضراسه أعظم من جبل أحد ، شعره كآجام القصب ، وله سبعة جلود غلظ كل جلد منها أربعون ذراعا ما بين الجلد إلى الجلد مسيرة ثلاثة أيام فيها ديدان لها جلبة كجلبة الوحوش في البرية ، في جسده من الشعر ما لا يحصي عدده إلّا اللّه تعالى ، في أصل كل شعرة من الآلام والوجع والعذاب ما لو قسم على أهل الدنيا من يوم خلقهم اللّه تعالى إلى يوم يبعثهم لماتوا كلهم في أسرع من طرفة عين . ثم يؤتى بسلسلة ذرعها سبعون ذراعا فتغل بها يداه وعنقه ويدخل طرفها في فيه وتخرج من دبره ثم يلف ما بقي منها على عنقه يتوقد ويشتعل نارا ، ثم يؤتى بصخرة من كبريت أعظم من الجبل العظيم لو وضعت على جبال الدنيا لذابت من حرّها فتعلق في عنقه وهي تشتعل نارا ، ثم يؤتى بتاج من نار فيوضع على رأسه فيصعد حرّ الصخرة إلى وجهه وينزل حر التاج إلى وجهه ويجتمع مع حر الصخرة ولا يقدر أن يرفع عن وجهه بيديه لأنهما مغلولتان إلى عنقه قال اللّه تعالى : أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ الزمر : 24 ] وقال عز وجل : وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [ إبراهيم : 50 ] تغشى وجوه الكفار . ثم يؤتى بسربال من قطران وهو نحاس جهنم قد انتهى في شدة الحر فيلبسه ، لو أن ذلك السربال ألقي في الدنيا لصارت الدنيا من مشرقها إلى مغربها جمرة واحدة أسرع من لمح البصر ، ثم يقرن مع شيطان يكون ذلك الشيطان عليه أشد من كل عذاب يعذب به ، ثم يقال له : أخرج على الناس وأخبر أصحابك أن لكل واحد منهم مثل هذا العذاب . فيخرج الأسود على أقبح الأحوال وكتابه بشماله ليس فيه حسنة واحدة وسيّئاته ظاهرة للخلق والملك ينادي على الأسود بن عبد الأسد : يا أهل الموقف قد شقي الأسود شقاوة لا يسعد بعدها أبدا . إلعنوه فإن اللّه تعالى قد لعنه وسخط عليه ، فينادي بأعلا صوته نداء يسمعه أهل الجمع : يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ [ الحاقة : 25 ] أي يا ليتني لم أعط كتابي بشمالي ولا يحل بي هذا البلاء الذي أنا فيه : وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ [ الحاقة : 26 ] أي يا ليتني تبت وآمنت ولم أحاسب بهذا الحساب ، ولا نزل بي هذا العذاب : يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ [ الحاقة : 27 ] أي يا ليت الموت عاد إليّ حتى يريحني من هذا العذاب : ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ [ الحاقة : 28 ] يعني المال الذي كان معه في الدنيا وكان ينفقه في غير اللّه ويبخل به في ذات اللّه تبارك وتعالى : هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ [ الحاقة : 29 ] أي انقطعت عني حجتي واضمحلت . ثم يأمر اللّه تبارك